من الرائدات : أميرة الفكر والأدب .. الكاتبة مي زيادة

في خضم الأوضاع المتشنجة المحزنة التي نمربها ونعيشها بأخبار وأصوات المتفجرات والحروب والحرائق والإعتصامات والتهجير والأمراض ووووو ..
نحن بحاجة لإستراحة فنية شعرية عاطفية أدبية .. تغسلنا قليلاً من القلق والحزن والألم .. على صفحات منبرنا.. بيتنا شرفتنا الوردية ..
أحببت اليوم أن أسافر مع الأديبة ( مي ) السابحة بفن الكلمة وعبق الحب في زورق فرعوني فوق النيل الخالد .. ففتحت كنوز الأدب وجرار الحبرالملون بالأرجوان لنشرب معاَ كأس خمر معتقة من كرمة فلسطين المطعمة بمياه النيل .. مثلجة بأجران بشرّي اللبنانية يا له من مذاق لبناني فلسطيني مصري سوري , رشفة دارت الأرض وروت المحبين للشعر والحب والجمال الكثير الكثيروسكروا من حلاوة المذاق …. تعالوا معي إخوتي وأخواتي نتكئ على شرفة البحر الأبيض المؤدي للمحيط الأطلسي نستحضر قليلاً من ماضي التنوير.. من مرحلة التقدم والنهوض في بلادنا حيث استفاقت مبكراً لتمشي وتواكب قافلة العالم المتحرر ..

عندما نتكلم عن الأديبة ( مي زيادة ) ملكة الحب .. والجمال الفكري .. لا بد لنا إلا أن نستحضر أديب لبنان الكبير ( جبران خليل جبران ) .. لما له والأديبة من حب عذري وتوافق روحي – رغم عدم اللقاء بينهما – ورسائل خالدة في صفحات الكتب والمؤلفات .. في مكتباتنا الغنية الوطنية المحلية والعالمية ..

ماذا تفعل هذه الأنثى الرقيقة المتسربلة بالألم , وقد انفطر قلبها لموت معشوقها الخالد , حبيب ولا كل المحبين ( جبران ) .. أنيس العمر , ومحور الفكر .. جبران حبيب مي ..؟
فلماذا إذن قالوا .. لقد جنّت ( مي ) , لها الحق كل الحق في أن تجن وأن تعتزل الدنيا كلها لقد مات حبيبها قبل أن تراه ؟ فلم الحياة ؟ ولم الأمل ؟ ولم إشراقة النهار وزرقة العصافير .. وضياء القمر.. ولمعان النجوم .. وحفيف الأغصان .. وازدهار الورود ؟
لم الحياة إذن وقد غاب سر الحياة وسر الوجود ؟ إنها لم تفعل إلا ما كان يجب أن تفعله كل أنثى خفاقة المشاعر.. رقيقة القلب .. شفافة الروح .. وجدت قلبها ومشاعرها في حب حبيب معبود.. عميق النظرات ساحر اللفتات اّسرا فاتناَ خلاّباَ .. وفيلسوفاً .. عاشقا ومعشوقاَ مسترسل الشعر ( نبي ) وفنان .. ( جبران جبران ..!
• * *

لا بد لنا , أو بالأحرى يسبقنا الشوق .. وحب المعرفة كي نتحرّى قليلاً عن هذه الإنسانة المبدعة .. هويتها ..إنتماءها .. نشأتها .. تكوينها , والمؤثرات البيئية والإجتماعية والثقافية التي تأثرات وتشبّعت بها أديبتنا ( مي ) , محور موضوعنا اليوم , ,, لتكبر .. وتنمو على هذه الصورة الفريدة المتميزة .. بين الكاتبات والأديبات في بلادنا المقدسة المباركة الغنية بالطاقات الفكرية والعلمية . بالتأكيد أن القارئ هو مثلي بشوق لمعرفة البدايات والطفولة ومحطات تنقلها في بلاد كانت في القرن 19 و 20 منبع وساحة الأدب والتنوير والفكر ..

هي إبنة فلسطين الكنعانية .. إبنة الأرض التي مشى عليها السيد المسيح وأمه مريم .. وتلاميذه ورسله لينشروا مبادئ المحبة والسلام والفكر الحر الإنساني .. هي إبنة فلسطين الشعراء والشهداءوالمناضلين والأرض المباركة الغنية بالزيتون والبرتقال والمزروعة بالكنائس والأديرة والمساجد .. بالماّذن والقباب والأبواب .. والمدن التاريخية قبل , وبعد الميلاد باّلاف السنين , هي إبنة أريحا ويافا وحيفا وعكا ورام الله والقدس واللد وطول كرم وكل بطاح فلسطين الغنية بالزراعة واليد العاملة والصدف والخشب والحجّاج … هي إبنة غور الأردن والبحر المتوسط .. وبحر الميت وبحر الجليل وطبرية ووو هي كل هذا الإرث الرائع الذهبي اللماّع …

مي زيادة .. في سطور :
ولدت ( مي ) في مدينة الناصرة بفلسطين – عام 1890 ومصادر أخرى تقول في سنة 1880- أو 1886 , هناك اختلاف حول سنة ميلادها ؟؟ .. بعض المصادر تروي بأنها من أم سورية فلسطينية المولد .. وأب لبناني الأصل .
انتقلت مع والديها إلى لبنان , فدخلت مدرسة للراهبات .. وأتقنت الكتابة باللغة الفرنسية .. وذاع صيتها الأدبي وهي في العشرين من عمرها .. وصحبت أبويها إلى مصر .. قبل الحرب العالمية الأولى 1914 ..
وقد اختار والدها الأستاذ ( الياس زيادة ) مصر موطناً له .. وأصدر جريدة ( المحروسة ) يومية .. سياسية .. مسائية .
أصدرها باللغة العربية فاتجهت – مي- إلى تقوية أسلوبها العربي فدرست اّداب اللغة .. والتاريخ والفلسفة والتحقت بالمدرسة المصرية القديمة وأخذت تنشر مقالاتها باللغة العربية في صحيفة ( المحروسة ) , وفي المجلات الأخرى الأدبية التي كانت مزدهرة في ذلك الحين مثل : ( الهلال ) و ( المقتطف ) و ( الزهور ) .
الإسم الأول لها كان ( ماري زيادة ) فاختارت التوقّيع بإسم ( مي ) , وقد لصق بها هذا الإسم في اللغة العربية وفي جميع اللغات التي انتقلت إليها اّثار ( مي ) ..
كانت تتقن هذه الأديبة ثمان ( 8 ) لغات .. عدا العربية , منها : الفرنسية والإنكليزية والإيطالية والإسبانية والألمانية واليونانية الحديثة وغيرها … وقد ألفت ديوان شعر باللغة الفرنسية .. وقصة باللغة الإنكليزية .. وألفت باللغة العربية كتباَ كثيرة من بينها :
(إبتسامات ودموع ) – ( بين الجزر والمد ) – ( ظلمات وأشعة ) – ( كلمات وإشارات – ( باحثة البادية ) – ( رجوع الموجة ) – ( عائشة تيمور ) – ( الصحائف ) – ( سوانح فتاة ) – ( غاية الحياة ) – ( المساواة ) – ( وردة اليازجي ) – وغيرها الكثير … هذا عدا عن رسائلها الخالدة إلى ( جبران خليل جبران ) .. ومقالاتها التي كانت تحدث دوياَ في دنيا الأدب والصحافة في ذلك الحين ..

قالوا عنها الكثير :
مي زيادة .. أسطورة الحب والنبوغ .
مي زيادة .. شهههههههههههههرة انتهت بمأساة .
مي زيادة .. فراشة في سماء الادب .
مي زيادة .. الأديبة النابغة .
مي زيادة .. فريدة العصر . ملكة دولة الإلهام . ألدرّة اليتيمة .
مي زيادة … شاعرة وأديبة فلسطينية , هي ماري الياس زيادة المتحدّرة من أب لبناني وأم فلسطينية , المولودة في الناصرة بفلسطين عام 1886 .

قد تكون ( مي زيادة ) من أبرز أعلام النهضة العربية الذين لم ينالوا ما يستحقونه من تقدير , ولعل عدم إنتمائها الصرف لقطر عربي واحد كان من تلك الأسباب التي أدّت غلى هذا الغبن .
* * *

محطات :
عصر الصالونات الأدبية النسائية الأولى :

الحرية .. هي النهوض هي التقدم .. هي الحضن الذي تنبت وتنمو فيه حدائق وجنائن ومشاتل الفكر والثقافة والحوار .. وهي العنوان الحضاري لأي بلد .. ووطن ..

هل كان هذا المناخ متوفراً لأديبتنا مي .. في مصر والبلاد التي نشأت وتنقلت فيها في تلك الحقبة من تاريخ منطقتنا ؟؟
الجواب نجده على بساط المقال بكل رونق ومتعة الأدب والسياسة والعطاء والتواصل الإنساني الجميل ..

بدأت ( مي ) حياتها الإجتماعية بأن أعدّت في بيتها ( صالوناَ ) .. كان يجتمع فيه كبار الأدباء , وأهل الرأي (( يوم الثلاثاء )) .. من كل أسبوع وكان هذا الصالون في .. شارع عدلي .. مكان محطة البنزين القائمة هناك الاّن ..
وقد بقيت في المنزل من علم 1914 إلى عام 1921- ثم انتقلت وسكنت في دور من عمارة تملكها جريدة ( الأهرام ) .. وإدارتها …

وكان يتردّد على صالون ( مي ) كل من روّاد التنوير في مصر : الدكتور ( طه حسين ) عميد الأدب العربي , وشيخ العروبة ( أحمد زكي ) , وشيخ القضاة ( عبد العزيز فهمي ) , وشيخ الشعراء ( إسماعيل صبري ) , وشيخ الصحافة ( ( داود بركات ) , وشيخ المفكرين الدكتور ( شبلي شميل ) والأستاذ الأكبر ( مصطفى عبد الرزاق ) و أمير الشعراء ( أحمد شوقي ) .. وشاعر الأقطار العربية ( خليل مطران ) , وشاعر النيل ( حافظ ابراهيم ) , والشاعر الثائر ( ولي الدين يكن ) , والأديب المحافظ ( مصطفى صادق الرافعي ) , والكاتب الكبير ( أنطون الجميل ) , وأستاذ الجيل ( أحمد لطفي السيد ) , .. والأستاذ الدكتور ( منصور فهمي ) , والكاتب الكبير ( عباس محمود العقاد ) , وشيخ الخطاطين ( نجيب هواويني ) ..

رحم الله هذه الكوكبة التي أضاءت لنا الطريق مشاعلاً ..

… وكان يوم الثلاثاء .. يوماً مقدساً عند روّاد الصالون — يا لروعة الكلمة المقدسة !؟
الكلمة الفاعلة المؤثرة المحدثة .. ما هذا الإحترام .. ما هذه الأخلاق .. ما هذا الطريق المعبّد المبارك بعبق الفكر و الورد والخمائل !!؟

—– تحدثنا الكتب والأخبار قلما يتخلف منهم أحد في هذا اليوم … عن زيارة ( مي ) .. إلا إذا كان مريضاً أو على سفر ..
يا إلهي .. ما أجمل وأروع احترام مواعيد الأدب والثقافة والغرف من الجذور .. هؤلاء هم من وضعوا الأساسات .. والمداميك في طريق التنوير والنهوض .. ..

وقد كان شيوخ الصالون يحملون ل ( مي ) .. عاطفة اختلطت ملامحها .. أهي عاطفة حب أبوي … أم هي عاطفة حب عذري .. ؟

قال شاعرنا حافظ إبراهيم :
( ليس الجمال بأثواب تزيننا , إن الجمال جمال العلم والأدب ) .

هل تجسّد الأديبة مي هذا القول الحكيم أم لا ..؟؟ لنرى ..

– يصف الأستاذ كامل الشناوي ( مي عندما راّها لأول مرة :
– ” كانت ترتدي ثوباَ أسود.. يطل منه وجه مشرب بشئ قليل من الشحوب .. ومن فوق الرأس شعرها اللامع المسدل في بساطة وانسجام .. وكان شعرَا أشد سوادَا من ثوبها .
لم تكن قصيرة .. ولم تكن طويلة … كان قوامها نحيلاً .. يريد أن يمتلئ.. سميناً يريد أن ينحل ..
وظلّت ( مي ) تتكلم ساعتين .. عن الإنسانية ,, والفكر .. والمحبة .. والسلام .. وقد استهوتنا جميعاً نبراتها العذبة .. وصوتها الهادئ .. الحلو .. العميق , وإشاراتها ونظراتها .. وحسن استعمالها للفتات رأسها .. استهوتنا بنضارتها الفاتنة .. نضارة الفكر .. ونضارة الوجه والقوام .. “.
هذا هو الجمال .. عند أديبتنا الممتلئة معرفة وعلم وثقافة , عبّرت عن جمال روحها وأخلاقها العالية ,, ما أحوج أجيالنا الجديدة لأمثالك يا مي .. حبذا لو يغرفوا من نظرتك وتقييمك ومعانيك للجمال !؟
كم نحن في حاجة إلى تأصيل الفكر .. في خضمّ التحديات الفكرية والسياسية والإجتماعية التي يتحتم علينا مواجهتها اليوم بالوعي والمعرفة والجدية والثقافة التي جسدتها أديبتنا الرائدة مي ..؟
———–

لنقرأ لها قليلاَعن رأيها في الحياة .. والحب خاصة :
( تتعرض مي في هذا الكتاب للحياة في معناها التام وغايتها , حيث تشمل الكون بأسره , مما يرى ومما لا يرى , وهي ذلك التيار الخفي النافذ في كل شئ , المحيط بكل كائن , وقد حوى من الإقتدار والجبروت ما ألقى في روعنا أنه من روح الله , كأننا نحسب الحياة نسمات نور وإنعاش منطلقة من صدر تلك القوة الكبرى التي نسبح جميعاً في بحار وجودها ونسميها (( الله )) .
وعن المرأة تقول : ( عليها أن تكون جميلة أنيقة , دمثة لينة , متعلمة , قوية الجسم والنفس , ماضية العزيمة , .. عليها أن تصون ذاتيتها الفردية بيننا .. وأن تصطبغ بصبغة محيطها , وتراعي ميوله , لتحفظ توازن السرور والإنشراح في البيت الذي يحبها وتحبه ) .
وعن الحب تقول ( مي زيادة ) :
” ما أعظم الحب وأشرفه في القلب المتبصّر الحكيم !
هو أقدر عامل ينهض بالإنسانية مسهلاَ طريقها , مخففاَ أثقالها , خالقاَ من أبنائها الأبطال الجبابرة .. وأجمل الأرواح , وأكبر القلوب وأنبل النفوس إنما هي تلك التي يظل فيها نهر الحب دائم الفيضان وتظل تبعث شعاع شمسها الداخلية إلى ما وراء الفرد والبيت والوطن ,, فتمتد على كل شئ وتضئ كل شئ .. الذي يحب كثيرا َ يفهم كثيراَ , لأن الحب أستاذ ساحر نتعلم منه بسرعة , ويفتح لنا أرحب الاّفاق ….. ) .

يا إبنة الناصرة المقدسة .. لقد غرفت من منبع الحب والنور أغماراً لا تنتهي .. تزودت بها ووزعت بشائرها على العالم وعلينا حتى الساعة .. تشعين ليلكاً .. وتفوحين نارديناً .. يا أميرة القلم والفكر يا ابنة وطني الكبير لك الخلود مع المصلوبين في كل عهد وطريق …

….. لنا عودة إلى هذه الأديبة الممتلئة بالمواهب الخلاّقة .. المتنوعة الغنية , مثال المرأة المستقلة .. الواثقة المثقفة المؤمنة الصادقة الذكية لا شك ..

لم أرتو أنا بعد من أديبتنا أعزائي القراء والقارئات .. ما زلت مستمتعة بعناقيد الأدب ( الزيدانية ) وخمره المعتّق ,, لأن أكسير الشعر والفكر يسكر ويلهب النفس العطشى لهذا الغذاء الروحي والعقلي , ولكن يحافظ على قوة الإتزان والتأمل .. ويبعث الفرح الحقيقي .. النابع من الروح التي تغذت ببنفسج السواقي ولوتس الأنهار الدفاقة بالمواسم والإخضرار .. .. إنه الإنتعاش والتحليق في سماء الشعر والأدب الحقيقي الهادف البنّاء ..

لنا عودة لبعض الشهادات عن أديبتنا المنسية لأنها أنثى .. !!؟
أين ساحات ( مي ) .. وتماثيل مي .. وقاعات مي .. وشوارع مي ومدارس مي ,, أين وأين .. هذه الأسماء اللامعة التي نفتخر بها في قواميس الشعر والأدب والفكر .. ؟ لو كانت هذه الأسماء وهذه الطاقات المبدعة في بلدان الغرب ؟ ماذا سيعملوا لها كيف سيتباهوا ويحتفلوا بهذه الرموز بهذا النبع الدفاق باالمشاعر والحب التي سقت بساتين الحقول والغابات النضرة السامقة ظلاَ ولوناَ وندى أريج .. !؟
ماذا قال عنها عميد الأدب العربي طه حسين ؟

” … كنت من بين اللذين شرفتهم بصداقتها .. فكنت ألقاها بين حين وحين .. فنستخلص لأنفسنا من الدهر وأحداثه ساعة أو ساعات , نتحدث في الأدب والفلسفة …. ويسترسل الدكتور طه حسين :
( لقد كانت مي مولعة بالغناء وكانت تغني وما أكثر الليالي التي انصرف فيها الزائرون جميعا ولم يبق منهم إلا الأستاذ ( لطفي السيد ) و ( محمد حسن المرصفي ) .. وأنا .. وفي ذلك الوقت كانت ( مي ) تفرغ لنا .. حرة سمحة .. فنسمع من حديثها .. ومن إنشائها .. ومن عزفها .. ومن غنائها , ويظهر أنني لن أنسى صورة مي حين تغنينا .. أغنية لبنانية مشهورة ” يا حنينة ” وتغنينا في اللغات المختلفة .. وفي اللهجات العربية المختلفة ..

وكانت مي تنادي .. وتنادي .. ” اين وطني ” !؟
ولدت في بلد .. وأبي من بلد .. وأمي من بلد .. وسكني في بلد .. وأشباح نفسي .. تنتقل من بلد إلى بلد .. فلأي هذه البلدان أنتمي .. وعن أي البلدان أدافع ” ..؟
…………….

كانت البلاد العربية في تلك الفترة كلها ساحة وصالون كبير .. مفتوح للأدباء والشعراء ورجال الفكر .. كانت العصر الذهبي للكلمة وحريتها ..
————

لا شك أبداً ان مناجاتها للعيون كانت مستوحاة من سحر عيون جبران ..
نعم نعم ,,, لا شك أن مناجاتها لعيون في قصيدتها ( العيون ) لم تكن تقصد بها إلا جبران الذي جعلها تهيم في بحور العيون بكافة ألوانها وحدقاتها وتأثيرها وخاصة عيون جبران العسلية.. وحلاوتها .
” تلك الأحداق القاتمة في الوجوه كتعاويذ من حلك ولجين .. تلك المياه الجائلة بين الأسفار والأهداب كبحيرات تنطق بالشواطئ .. واشجار الحور ” ..
إنها تقول :
” العيون .. ألا تدهشك العيون ؟
العيون الرمادية .. بأحلامها
العيون الزرقاء .. بتنوعها
العيون العسلية .. بحلاوتها
العيون البنية .. بجاذبيتها
العيون القاتمة .. بما يتناوبها من قوة وعذوبة ..

** **
جميع العيون
تلك التي تذكرك بنقاء السماء
وتلك التي يركد فيها عمق اليموم
وتلك التي تريك مغاور الصحراء .. وسرابها
وتلك التي تعرج بخيالك في ملكوت أثيري ؟ كله بها ..
وتلك التي تمر فيها سحائب مبرقة مضيئة
وتلك التي لا يتحول عنها بصرك إلا ليبحث عن شامة في الوجه ..

العيون الضيقة المستديرة العيون اللوزية المستطيلة وتلك الغائرة في محاجرها لشدة ما تبصر وتتمعن – وتلك الرحيبة اللواحظ – البطيئة اللحظات وغيرها وغيرها العيون التي تشعر العيون التي تفكر العيون التي تتمتع العيون التي تترنم … الخ ..
——–

كانت ( مي ) أسطورة .. في قلوب العشاق .. وأغنية على لسان المحبين .. وحلماً في خيال الشعراء .. وكانت ايضا حقيقة كبيرة .
فإن مي التي ألهبت قلوب المفكرين .. والشعراء .. والكتاب .. بالشوق واللهفة , لم تكن مجرد فتاة تنبض أنوثة وتشع ذكاء , ولكنها كانت مفكرة ممتازة.. توقع المقالات .. وتثير المناقشات على صفحات الجرائد .. وصاحبة أسلوب في التعبير .. وكانت ثقافتها متنوعة شاملة .. درست الاّداب والتاريخ والفنون والفلسفة والكثير من العلوم ..
ولقد ظهرت مي في مصر بعد ظهور أديبتين هما عائشة التيمورية .. عمة الأستاذ محمود تيمور , وباحثة البادية ( ملك حفني ناصف ) .
لم يكن صالون ( مي ) .. هو أول صالون أدبي لسيدة في مصر .. فقد سبقتها في ذلك الأميرة ( نازلي فاضل ) .. , لكن صالون مي كان للمفكرين من جميع الطبقات وكان صالونا أدبياً .. عربياَ .. ديمقراطياَ .. أو قل أنه كان مفتوحاَ.. لا يرد عنه الذين لم يبلغوا المقام الممتاز في الحياة المصرية .. ويكون لهذا أثره في تثقيفهم وتنمية عقولهم .. ” هذه الشهاد والإنطباع صادرة من عميد الأدب العربي ( طه حسين ) ..

* * *
من كتاب : ( كلمات وإشارات ) أنقل هذه المقطوعة لأديبتنا الخالدة مي زيادة :
( النور .. النور .. نريد النور دواماَ .. وفي كل مكان ..!
نريد ارتفاع النفوس إلى أوج تفهم عنده جمال الرجاء .. جمال الإشفاق .. جمال الواجب .. وجمال الخير .. نريد أن يفهم الرجل كرامة المرأة .. وأن تفهم المرأة .. كرامة الإنسانية .. نريد أن نعرف ذلّ العبودية .. كي ندرك عز الحرية .. نريد أن نكسّر قيود الإستبداد كي نقيد ذواتنا .. إختياراَ بواجبات سامية .. نحن نعلم أن قيود الحرية أوفر من قيود الظلم .. عدداَ وأدق نوعا.. وأوجع وطأة .. ولكن .. في قيود الظلم إذلالاَ يسحق الشخصية .. هابطَا بالإنسان إلى تحت درجة الإنسان .. وفي قيود الحرية عزة تعلو بالمرء إلى قمة العظمة .. فتصيّره إنسانا كاملا َ .. يقوى على النظر مليا في وجه الإنسانية المجاهدة قائلاَ :
أنا ابنك ..أيتها الحرية وقد صيّرني جهادي .. أهلاَ لهذه البنوّة المقدسة .. ) .
الإبحار في أدب مي يجرفني إلى البعيد البعيد فأنا لم أتقن جيدا السباحة أخاف الشرود وأنسى نفسي مع ترانيمها الملائكية فأدرت الإتجاه نحو الشاطئ .. لرحلة أخرى
عاش قلمك يا مي .. وعاشت الأرض المباركة التي أنجبتك .. والخلود لروحك السكرانة في جنات الشعر والأدب …
…………………………………………………….
المصادر : كتاب : الملامح الخفية لجبران وميّ – للكاتبة لوسي يعقوب –
كتاب : ميّ زيادة كاتبة العربية – للكاتبة سميحة كريّم . بوابة كنانة أون لاين ,, وبعض القراءات الخاصة الأخرى .
شكري للجميع .. وإلى اللقاء أحبتي في جلسة أخرى عند صالون مي ورسائل جبران ..


مريم نجمه / لاهاي / 25 / 10

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: