حركة “العيالات جايات”، شروط الانبثاق و اتجاهات النضال

تكتسي قضيةالمرأة أهمية واضحة سواء على المستوى الفكري أو السياسي أو التنظيمي، نظرا لأن جميع الحركات الجماهيرية تحمل أفكارا سائدة عن كل القضايا و أساسا قضية المرأة، و لأن الدور الذي تلعبه المرأة في مختلف حقوق الصراع الطبقي، حيث انخرطت في مختلف الحركات الإحتجاجية من نضالات المعطلات، الطالبات، النساء السلاليات، الفلاحات والعاملات، و من أشهر المعارك تلك التي خاضتها عاملات شركة صوفاكا لصناعة الأدوية بالبيضاء، إذ دام الإعتصام المفتوح الذي دخلن فيه لمدة تفوق تسعة أشهر.

فما أهمية وجود حركة نسائية شعبية مستقلة عن باقي الحركات الإحتجاجية؟ و لماذا لا تذوب فيها؟
إن الإنخراط في الصراع الطبقي بشكل عام، لا يلغي أهمية النضال الخاص على قضية المرأة لما تعانيه من اضطهاد و استعباد، فالمرأة سجينة لقرون من سيادة الفكر الغيبي و النزعة البطريركية و العلاقات الإقطاعية، كما أنها تتحمل العديد من المسؤوليات التي تختلف عن مسؤوليات الرجل، فالمرأة لا تمثل نصف المجتمع و فقط، بل تحمل أيضا الغد في أحشائها، هذا الأخير يفرض ضرورة طرح المطالب الخاصة بالنساء و الدفاع عنها كضمانات الأمومة و رعاية الأطفال و النساء و مكافحة البغاء و تخفيف أعباء العمل المنزلي و تحديد الحد الأدنى للأجور لعمل النساء و الأطفال و النضال ضد ارتفاع نسبة وفيات الأطفال و النساء، إلى غير ذلك من الحاجات و التطلعات الخاصة بالنساء، ففي تقرير لوزارة الصحة، حمسين بالمائة من الولادات تتم داخل المنازل بشكل تقليدي، حيث تسجل 40 حالة وفاة من الأطفال لكل 1000 مولود نظرا لعدم القدرة على أداء رسوم الولوج إلى المستشفيات و انتشار الرشوة، هذا الخطر الذي يتهدد حياة الأم و الطفل، يرجع سياسة الخوصصة التي نهجها النظام لمختلف القطاعات الحيوية، الأمر الذي يفرض ضرورة نضال النساء ضد هذه الخوصصة.
لذلك جاء تأسيس حركة “العيالات جايات” كحركة شعبية تنطلق من المضمون الطبقي لقضية المرأة و تعمل على تأطير نضالات النساء، و ممارسة الدعاية و التحريض في صفوفهن، إيمانا بأن التغيير لا يكون بدون انخراط النساء في مختلف حقوق الصراع الطبقي، و قد لعبت الإنتفاضات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط و شمال إفريقيا و كذا الحراك الجماهيري الذي تعرفه بلادنا متمثلا في حركة 20 فبراير كإفراز موضوعي للتناقضات الطبقية، دورا كبيرا في خروج حركة “العيالات جايات” للعلن و إعطائها بعض مقومات القوة، فإلى أي نساء يجب أن نتجه؟

يجب أن تتجه الحركة إلى العاملات، إلى الفلاحات، الكادحات و جميع المضطهدات، و ذلك من خلال الدور الرئيسي الذي ينبغي علينا الإضطلاع به كمناضلات و مناضلين ألا و هو الإلتحام بالنساء الكادحات و المضطهدات و العمل على تعبئتهن و حثهن على النضال، فلا يجب أن ننظر إلى أنفسنا على أننا معلمين و فقط للجماهير و أن هذه الأخيرة لا دور لها، و أننا نحن من نصنع الأفكار، و نحن من يوجه، أما الجماهير فلا أهمية لها، بل ينبغي فتح المجال أمام النساء لكي يتعلمن، و في نفس الوقت التعلم منهن و تأطيرهن و إشراكهن في التقرير و التسيير، للنضال من أجل الدفاع عن مصالحهن، و ليس النيابة عنهن بدعوى سيادة الجهل و غياب الوعي لديهن، بل لابد من الإصغاء إليهن و تمييز الصحيح و الخاطئ في أفكارهن، بل الأكثر من ذلك لابد أن نتقبل النقد بصدر رحب، مما يمكننا من تداوز نواقصنا، فالإنغراس وسط جماهير النساء كفيل ببث الوعي في نضالاتهن و محاربة كل الرؤى التي تحط من شأنهن و محاربة سيادة الأطروحات الظلامية و البرجوازية و الإستسلامية.
إن غياب الفهم الحقيقي لمبدأ خط الجماهير و ذلك بممارسة منطق الأستاذية على مستوى الواقع العملي، رغم القول بأن الجماهير هي صانعة التاريخ، لا يمكننا من توجيه الحركة، و حتى إذا تم هذا التوجيه فسيكون برؤية مضببة بعيدة عن الواقع، فكيف يمكن تجسيد هذا الإرتباط بالجماهير؟
إن الإرتباط بالجماهير مسألة تفرض إبداع أشكال تنظيمية تترجم مضمون أفكارنا على مستوى الواقع العملي، حتى لا تظل مجرد أفكار فكل شكل تنظيمي يعكس المضمون الفكري و الخط السياسي على اعتبار أن المسألة التنظيمية ليست مسألة تقنية، بل مسألة فكرية و سياسية، فإذا كان التوجه ديمقراطيا فإننا نجد الأدوات التنظيمية ديمقراطية، و إذا كان التوجه بيروقراطيا فإننا نكون أمام أشكال فوقية تلجم نضالات الجماهير.
إذا كانت حركة “العيالات جايات” كحركة جنينية تتعرض اليوم لعدة انتقادات من بينها أولا “أنها لم تضف أي شيء لقضية المرأة، و أن هناك عشرات الحركات النسائية السابقة المهتمة بهذه المسألة، فما هي الإضافة التي ستقدمها حركة “العيالات جايات” ؟ فعلا هناك عشرات الحركات النسائية، غير أنها لم تقدم إلا القليل، لقضية المرأة لأن دورها لا يخرج عن الإطار الذي رسمته لها البرجوازية، و ذلك من خلال إيمانها بأن تحرر المرأة من الإستعباد و الإضطهاد ممكن في طل البنية القائمة و دون زوال الشروط التي أنتجته، و كذا لغياب ارتباط هذه الحركات بالنساء الكادحات و التوجيه الفوقي لنضالاتهن دون إشراكهن،  و من يطرح هذا السؤال ينسى أو يتناسى واقع العاملات و الفلاحات و المهمشات المحتجات عبر ربوع هذا الوطن، دون أن تجد احتجاجاتهن طريقا للتنظيم و بث القوة فيها و نزع العفوية عنها.
و ثانيا أنها “حركة نسوانية  معادية للرجال !!!” و هذا الإنتقاد سبق طرحه على المستوى الأممي مع بداية تشكل الحركات العمالية النسائية المستقلة، ليتم تجاوز هذا الطرح المتعلق بجوهر المسألة، ليطرح التساؤل حول وسائل و أساليب التحريض و النضال الواجب اتباعها في صفوف النساء، و هكذا أرسيت قواعد عمل تحريضي خاص و مستقل بين النساء منذ 1896، حيث تم تأسيس نواد للعاملات و جمعيات للتثقيف الذاتي و روابط التوعية و اللجان المكلفة بعقد الإجتماعات النسائية و بصفة كل الأشكال التي تساهم في نشر الدعاية و التحريض في صفوف النساء.
إن استحضار هذه التجارب العالمية يرجع إلى أهمية المسألة التنظيمية داخل حركة “العيالات جايات”، لأن عدم القدرة على خلق الأدوات التنظيمية اللازمة التي تفرضها متطلبات و حاجة الحركة بشكل خاص كخلق لجان النساء داخل الإطارات الجماهيرية أو تأسيس اللجان في صفوف العاملات أو الفلاحات أو الإشراف على تنظيم النقاشات في مختلف أماكن تواجد النساء الشعبيات من عاملات و فلاحات و مضطهدات، و تأسيس الفروع الذي يفرض ملحاحيته من أجل لف أكبر عدد من النساء المضطهدات حول الحركة، سيجعل دور الحركة و تأثيرها جد محدود، فالتنظيم قادر على صهر الخبرات و تجميدها و تركيزها، إن ترسيخ العلاقات الديمقراطية من المبادئ الأساسية التي تقوم عليها حركة “العيالات جايات” كحركة نسائية شعبية و ذلك بمحاربة كافة الأشكال البيروقراطية التي تستهدف ممارسة الوصاية على النساء، فالقول بأن “لا تحرر للنساء بدون ثورة و لا ثورة بدون تحرر النساء” لا يفترض العمل من أجل تقديم الثورة و القبول بقبوع النساء في البيوت و المطابخ بدعوى أن الأولوية هي الثورة ما دامت ستحرر النساء، بل لا بد من مشاركتهن في الصراع الإيديولوجي و السياسي، و ليس فقط في القضايا المتعلقة بالمرأة.

مقال بقلم الرفيقة ريتا حداد، العدد الأول من مجلة نصف السماء

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: