من أجل بلورة و تطوير حركة نسائية شعبية بالمغرب

 ” لا تتمتع المرأة بالمساواة الكاملة فى الحقوق فى أي جمهورية بورجوازية  ( أي حيث تقوم الملكية الخاصة للأرض و المعامل و المناجم و الأسهم إلخ) حتى و لو كانت أوفر الجمهوريات ديمقراطية ، …إن الديمقراطية البرجوازية تعد قولا بالمساواة و الحرية . أما فعلا فإن أية جمهورية من الجمهوريات البورجوازية ، حتى أكثرها تقدما ، لم تمنح النصف النسوي من الجنس البشري المساواة الكاملة مع الرجل أمام القانون ، كما لم تعتقها من وصاية الرجل و إضطهاده . إن الديمقراطية البورجوازية هي ديمقراطية الجمل الرنانة و الوعود الطنانة و الشعارات المفخمة عن الحرية و المساواة ، و لكنها تخفى فى الواقع عبودية المرأة و لامساواتها ، عبودية الشغيلة و المستغَلين و لامساواتهم “لينين

 

تحتل قضية المرأة مكانة أساسية في الفكر و الممارسة الثوريين، و بدون طرح هذه القضية بشكل واضح و جدي يصبح الحديث عن الثورة مجرد مقولات و متمنيات لا أكثر. فعدم مشاركة النساء، اللواتي يشكلن نصف المجتمع، في النضال الثوري، يعني عمليا تخلي الطبقات الثورية عن نصف قوتها و قدرتها الجماهيرية. بل إن عدم النضال على هذه الجبهة من طرف اليسار الثوري لكسب النساء الشعبيات لقضية الثورة يعني عمليا جعلهن عرضة لتأثير القوى الرجعية، و بدل من أن تكون النساء في صف الثورة، وفصيل متقدم من فصائل النضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطي والاجتماعي، قد تتموقعن في خندق أعداء الثورة، مما يعني ليس خسارة الثورة لنصف قواها الجماهيرية والثورية فقط وإنما كذلك تقوية صفوف أعداء الثورة.

صحيح أن النضال من أجل قضية المرأة هو واجب وعمل يومي، فكري وسياسي وتنظيمي لكل تيار تقدمي حقيقي يحترم مبادئه ويعبر بإخلاص عن مصالح شعبه، لكن هذه القضية تصبح ذات أولوية عاجلة في زمن الهبات الجماهيرية حيث يرتفع المزاج النضالي للجماهير، و حيث تجتذب النضالات الجماهيرية، كل يوم و كل ساعة، فئات جديدة وقاعدة جديدة من الجماهير حاملة معها نظرة وثقافة المجتمع السائدة اتجاه كل القضايا ومنها قضية النساء.

إن المغرب اليوم يعيش مثل هذه الحالة، فحجم الغليان الشعبي و التوسع المتزايد للحركة الجماهيرية وتطورها حمل معه كل هذه الأخطار و التحديات. لذلك تصبح مهمة طرح قضية المرأة بشكل واضح وجريء وجدي مسألة عاجلة ومهمة إلى أبعد الحدود. إن المهمة اليوم ليست تعبئة النساء والرجال حول قضية المرأة وفقط وإنما النضال من أجل إيجاد وإبراز مناضلات قياديات للحركة الجماهيرية وكوادر قيادية متمرسة في النضال الثوري، وذلك بارتباط وثيق مع بلورة وتجسيد مهام تطوير حركة نسائية ذات قاعدة جماهيرية شعبية وذات نفوذ وتأثير على مجرى الصراع الطبقي ببلادنا.

إن هذه الأرضية التي نقدمها لجميع الملتزمين والمدافعين عن قضية النساء والمقتنعين بضرورة التغيير الثوري، هي مساهمة أولية لإطلاق وإنضاج هذا النقاش من أجل بلورة وتطوير حركة نسائية شعبية ببلادنا وإبداع الأشكال التنظيمية الملائمة لها.

أفكار حول وضع المرأة و المسألة النسائية بالمغرب

لقد عرف المغرب منذ الاستقلال الشكلي إلى اليوم العديد من التطورات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي رسخت وعمقت تمايزات طبقية بين قلة تملك كل شيء وأكثرية عظمى لا تملك أي شيء أو لا تملك سوى الفتات. إن الطبيعة الكمبرادورية والتبعية للتشكيلة الاجتماعية المغربية قد حددت بشكل أساسي الوضعية المزرية التي تعيشها أغلب الجماهير الشعبية بشكل عام وساهمت في تعميق الوضع الدوني للمرأة المغربية من داخل المجتمع بشكل خاص، وذلك عبر آليات التمفصل بين النظام الاجتماعي الطبقي والنظام الاجتماعي البطريركي.

 فالمغرب الذي يقدر عدد سكانه اليوم بأزيد من 31 مليون نسمة، أزيد من نصفه نساء ( 51,7 في المائة) أغلبهن لازلن يمثلن الفئة الاجتماعية الأكثر استغلالا واضطهادا داخل المجتمع بالرغم من الخطابات الديماغوجية التضليلية للنظام القائم وللقوى السياسية الإصلاحية.

إن هذا الوضع الذي تعاني منه المرأة المغربية هو على كل حال نتيجة لصيرورة طويلة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالبلاد. وسوف نحاول من خلال هذه الورقة تقديم صورة أو مجرد لمحة عن هذا الوضع وتحليل أسبابه وسبل تجاوزه.

وسوف نحاول في ذات الوقت توضيح كيف أن التناقض بين الدور الكبير للمرأة المغربية في الإنتاج الاجتماعي وبين الاضطهاد الاجتماعي الذي تتعرض له والدونية الناتجة عنه، قد خلق حركة نسائية ما فتئت تتطور.  والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تطورت الحركة النسائية البرجوازية في حين أن الحركة النسائية الشعبية لا زالت في مهدها بالرغم من الدور الكفاحي للنساء الكادحات في النضال الشعبي؟

1- الوضع الحالي للمرأة المغربية:

1-1- التعليم:

بالرغم من الخطابات الطنانة حول أهمية العنصر البشري في التنمية و ضرورة إصلاح النظام التعليمي تلك الخطابات التي يلوكها النظام والمستوحاة من توجيهات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فإن واقع حال التعليم يبرز الدور الذي تلعبه المؤسسات التعليمية بالأنظمة الكمبرادورية والتابعة.

لقد عرف المغرب مباشرة بعد الاستقلال الشكلي، ارتفاعا قويا في نسبة التمدرس وقد كان مرد ذلك إلى حاجة النظام للأطر اللازمة لبناء جهاز الدولة، فبعد خروج الاستعمار العسكري والإداري، كانت البرجوازية الكمبرادورية ونظامها السياسي في حاجة ماسة إلى جيش من الموظفين لإدارة شؤون الدولة، فانطلقت وتيرة متسارعة في تعليم أبناء الجماهير بعد ما كان التعليم شبه مقتصر على أبناء البرجوازية والوجهاء والأعيان. لكن مباشرة بعد استكمال بناء جهاز الدولة والتحكم فيها، بدأ مسلسل تصفية التعليم العمومي عبر العديد من المخططات الطبقية ابتداء من سنة 1965. وبالرغم من هذا الدور الذي كان يلعبه التعليم في تلك المرحلة، فان نسبة النساء اللواتي ولجن التعليم ظلت منخفضة جدا نظرا لسيادة العقلية الإقطاعية والبطريركية داخل المجتمع.

 ومنذ تلك الفترة إلى اليوم عرفت نسبة تمدرس النساء نموا متسارعا لكنها مع ذلك ظلت جد منخفضة سواء بمقارنتها مع نسبة الرجال أو مع النسبة العامة للنساء بالمغرب. و هكذا فإن عدد النساء اللواتي لم يلجن التعليم يقدر ب 6.788.472 منهن 178087 فتاة مابين 15 و 24 سنة، و 208090 مابين 25 و 34 سنة، أما عدد الفتيات اللواتي يدرسن بمستوى الابتدائي و الإعدادي فيقدر ب : 5.902.320 فتاة، في حين لا يصل عدد النساء اللواتي ولجن التعليم العالي سوى 588.320 امرأة، ويصل هذا العدد بالنسبة للمرأة القروية إلى 20173 امرأة!! مقابل 61683 رجل أي ثلث الذكور. وإذا أخدنا بعين الاعتبار الانقطاع عن الدراسة و التوقف عند مستوى متوسط، فإن الوضع يبدو أكثر قتامة. وهكذا فعدد النساء اللواتي لا يتوفرن على أية شهادة مدرسية يقدر ب 8.141.354 ، 4,228.798 منهن بالعالم القروي. أما اللواتي حصلن على شهادة متوسطة فلا يتعدى 2.476.242 ليس منهن سوى 420.393 بالعالم القروي (مقابل 3,523.080 فتى منهم 990.694 بالعالم القروي)، أما اللواتي حصلن على شهادة عليا (الباكلوريا أو أكثر) فهو في حدود 801.026 (مقابل 1093323 رجل). إن هذا العدد الجد منخفض للذين يلجون التعليم العالي نساءا ورجالا – وبالنسبة للنساء فهو مثير ولافت للانتباه – هو نتاج لعدة شروط منها أولا: – السياسة التعليمية بالمغرب التي هي في جوهرها سياسة نخبوية تسعى إلى ضرب التعليم العمومي العالي من خلال العديد من المخططات الطبقية آخرها كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين وما يسمى بالمخطط الاستعجالي (ضرب الحق في المنحة، الحق في السكن الجامعي، الحق في التغذية…)، إن هذه السياسات التعليمية هي بدورها تخدم مصالح الطبقات المسيطرة ومصلحة السوق في بلد تابع. فطبيعة الاقتصاد الكمبرادوري المتخلف بالمغرب لا تتطلب سوى يد عاملة ذات مؤهلات متوسطة أو حتى دون ذلك ببعض القطاعات خصوصا بالبوادي كالقطاع الزراعي وقطاعي النسيج والتصبير اللذين بدورهما لا يتطلبان سوى مستوى متوسط. وسوف نرجع إلى هذا الموضوع بتفصيل فيما بعد.

1-2- التشغيل:

 يصل عدد النساء اللواتي ولجن سوق العمل إلى 2.817.531 امرأة لا نجد منهن سوى 12087 امرأة في مناصب المسؤولية بالقطاع الخاص والعام. وكلهن بالمدن بما يعني أنه لا توجد امرأة واحدة بالبادية المغربية تحتل نفس المواقع، و 50.752 امرأة كإطار عالي بالمدن و 137 امرأة فقط في القرى بهذا المنصب، في حين نجد 157.201 امرأة كإطار متوسط بالمدن مقابل 4.667 بالقرى، والنسبة الأكبر من النساء هي عبارة عن يد عاملة زراعية أو في قطاع الصيد البحري حيث يصل عددهن إلى 1.357.269 بالقرى و 51.764 بالمدن. و239.883 كصانعة تقليدية بالمدن و 84.523 بالبوادي وهكذا فإننا نجد أن النسبة الأكثر ارتفاعا لليد العاملة النسوية توجد بالقطاعات الاقتصادية التي لا تتطلب سوى مؤهلات متوسطة مثل قطاع النسيج وصناعة الملابس الجاهزة والجلد والصناعات الغذائية.. الخ حيث تصل نسبة اليد العاملة في هاته القطاعات بالمدن إلى 69 بالمائة، وتصل نسبة اليد العاملة النسوية بقطاع النسيج والملابس الجاهزة ال 87 بالمائة من اليد العاملة الكلية بالقطاع. ويعتبر هذا الأخير من الأنشطة الأكثر تضررا بالمغرب في السنوات الأخيرة، حيث يعرف وثيرة متسارعة في إغلاق المعامل و تشريد العاملات الشيئ الذي يرفع باضطراد عدد النساء العاطلات عن العمل أو الخادمات بالمنازل.

إننا نجد تمركزا قويا لليد العاملة النسوية بقطاع النسيج و الملابس الجاهزة وبالقطاع الزراعي و هما القطاعين اللذان تشتد فيهما درجة الاستغلال بشكل مثير سواء من خلال إطالة يوم العمل، أو العمل بالقطعة، أو حتى عدم الالتزام بالحد الأدنى للأجور الذي يعلنه “القانون”.

إن الرأسمالية وإن استطاعت تكسير أسوار السجن المنزلي الذي كانت تحبس فيه المرأة فإنها لم تحررها بل عمقت عبوديتها فأصبحت عبدا لرب العمل بعدما كانت عبدا لزوجها.

إلا أن تحرر النساء لابد وأن يمر من هذا الطريق الذي يتشكل عبره جيش جرار من نساء ورجال قادرين – في وجود حزب شيوعي حقيقي – على القضاء على الرأسمال واقتلاع جذور الاضطهاد الجنسي الذي تعشنه النساء.

المرأة بالبادية المغربية:

 

لقد أحدث التدخل الاستعماري الفرنسي تغيرات جذرية على البادية المغربية وعلى نشاط الفلاحين والفلاحات، فبعد أن كان الإنتاج الفلاحي موجها أساسا للاستهلاك الذاتي، عملت الإمبريالية الفرنسية على إدخال نمط الإنتاج الرأسمالي إلى بعض المناطق القروية (الغرب، الحوز، الشاوية، سوس، سهول ملوية…) حيث المساحات الشاسعة والأراضي الخصبة الصالحة للزراعة وتوفر المياه. وقد كانت نقطة الانطلاق هي نزع واستيلاء على الأراضي الجماعية للقبائل إضافة إلى الملكيات الصغيرة للفلاحين وتفويتها إلى المعمرين الفرنسيين (الخواص) أو احتكارها من طرف الدولة وتأسيس زراعة رأسمالية تعتمد على استغلال أراضي شاسعة وعلى استعمال المكننة والتوجه نحو التسويق والسوق الدولية وتلبية حاجات الصناعة. إن هذا التدخل الإمبريالي قد أحدث تغيرات عميقة في طبيعة علاقات الإنتاج في البادية المغربية بعد ضرب وتدمير البنيات السوسيو اقتصادية للقبائل المغربية وبذلك هيأ الظروف لبروز بروليتاريا زراعية بالريف المغربي وإمداد الصناعة بالمدن والقلعات المنجمية باليد العاملة الضرورية للإنتاج.

إن هذا الواقع الذي أحدثه النظام الاستعماري بالريف المغربي قد عمق من أزمة الفلاح الصغير الذي لم يستطع من أجل الحفاظ على بقعته الصغيرة ضد الملاكين العقاريين وضد المرابين إلا المزاوجة بين الاعتناء بأرضه و بيع قوة عمله لصالح الرأسمالي (المعمر الفرنسي) في الضيعات الفلاحية والدفع بالنساء “التابعات له” (زوجاته وبناته) إلى بيع قوة عملهن لدى هذا الأخير خلال فترات توفر الشغل، إلى جانب عملهن في أرضه وبالمنزل. وفي الحقبة الاستعمارية الجديدة بعد الاستقلال الشكلي استمر الاستيلاء على أراضي الفلاحين ونزع ملكيتها لصالح المعمرين الجدد (الملاكون العقاريون الكبار المغاربة). وفي نفس السياق عرفت ملكية الأراضي الصالحة للزراعة تمركزا كبيرا فظهرت الوحدات الإنتاجية الكبرى المرتبطة بها. وقد رافق هذا التمركز تشتتا كبيرا وهائلا للأراضي ذات المساحة الصغيرة التي لا تتعدى خمس هكتارات مما ساهم بشكل كبير في تدهور خطير لوضع الفلاحين والفلاحات الفقراء. فحسب الإحصاء الفلاحي لسنة 1973-1974 الذي قامت به مديرية الإحصاء، فإن أربعة بالمائة من الملاكين العقاريين يستحوذون على ثلث الأراضي الصالحة للزراعة بينما ثلاثة أرباع الأراضي المستعملة (73,7 بالمائة) والتي لا تتجاوز مساحتها 5 هكتارات لا تغطي سوى ستة في المائة من المساحة المزروعة.

وبالاعتماد على بعض الإحصائيات الخاصة بسنة 1956 فقد قدرت كتلة أجور النساء بالضيعات الفلاحية ب 257.500.000 فرنك مقابل 766.000.000 فرنك للرجال. ويوضح إحصاء سنة 1974 حول الفلاحة أن نسبة اليد العاملة النسوية القارة بالزراعة لا تتجاوز 3,9 بالمائة مقابل 96.1 بالمائة بالنسبة للرجال وهو ما يبرز ما تتعرض له النساء من استغلال مكثف وفقدان الشغل القار مقارنة مع الرجل وما يعنيه ذلك من غياب الحق في الضمان الاجتماعي  والتقاعد… الخ.

غير أن سنوات الثمانينات وما بعد سوف تشهد ارتفاعا قويا في نسبة اليد العاملة النسوية. ما بين 1982-2002 سوف ترتفع هذه النسبة بالقرى إلى ثلاث أضعاف. وحسب إحصاءات 2008 سوف يصل عدد النساء العاملات بالبادية إلى حوالي 1.484.730 إمرأة منهن 1.357.269 بقطاع الزراعة والصيد البحري أي ما يمثل 91,4 % من اليد العاملة النسوية القروية.

أما فيما يخص المستوى الدراسي للمرأة القروية فإن أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه يعطي صورة واضحة للمرأة القروية المغربية داخل المجتمع المغربي. كما يعطي صورة لا تقل وضوحا عن استغلال المدينة للريف. فعدد النساء اللواتي ليس لهن أي مستوى دراسي يقدر ب 3.984.175 (مقابل 2.249.001 رجل) و 1.812.439 بالسلك الأساسي الأول (مقابل 2337766 رجل) و 335968 بالسلك الأساسي الثاني. أما بالتعليم العالي فلا نجد سوى 20173 امرأة (مقابل 61683 رجل) وعدد النساء بالقرى اللواتي ليس لديهن أية شهادة يقدر ب 4.228.798 امرأة (مقابل 3390716 رجل) ولا تتعدى النساء القرويات الحاصلات على شهادة متوسطة 420393 ليندحر هذا العدد إلى 28509 امرأة قروية حاصلة على شهادة عليا (باكلوريا أو أكثر) مقابل 84371 رجل .

إن هذه الأرقام تعكس الوضعية الطبقية بالمغرب. فالأسباب الأساسية التي تدفع أغلب الأسر بالبادية إلى حرمان بناتهن من الولوج للمدرسة أو في أحسن الأحوال عدم السماح لهن باستكمال دراستهن هي بالدرجة الأولى أسباب اقتصادية: الفقر وعدم القدرة على تحمل تكاليف الدراسة التي يقال عنها أنها مجانية!! وأيضا الدفع بالفتيات الصغيرات إلى المساهمة في مدخول الأسرة سواء عن طريق العمل كخادمة بإحدى المنازل بالمدينة أو العمل بقطعة الأرض الفقيرة التي يمتلكها الأب أو في إحدى الضيعات الفلاحية. ويشكل غياب البنيات التحتية بالقرى المغربية هو الآخر أحد الأسباب في عدم ولوج الفتيات إلى الدراسة أو عدم استكمالهن للدراسة. فبعد المدارس عن محل الإقامة وعدم توفر الإعداديات بالعديد من القرى المغربية يدفع بالعديد من الأسر إلى إيقاف مسيرة الفتاة التعليمية وعدم السماح لها بالاستقرار بعيدا عن البيت حيث توجد الإعدادية أو الثانوية. فالفلاح المغربي يعتبر الأرض و”العرض” في نفس المنزلة، فبالقدر الذي هو حريص على ملكية أرضه الصغيرة، هو حريص على “عرض” فتاته الصغيرة. ففي سنة 1992 قدر معدل تمدرس الفتاة القروية البالغة ما بين 13 و15 سنة ب 15,7 % مقابل 69,3% بالنسبة للفتيات بالمدن والحواضر.

1-3- الوضع الصحي للمرأة:

يعرف قطاع الصحة بالمغرب هجوما ممنهجا من طرف النظام القائم. فمنذ بداية الثمانينات مع تطبيق برنامج التقويم الهيكلي عمد الدولة الكمبرادورية إلى التقليص من النفقات على الخدمات العمومية لتأخذ الصحة نصيبها من هذا الهجوم. ففي سنة 2004 مثلا لم تبلغ الميزانية المخصصة للصحة سوى 6 مليارات و 200 مليون درهم، 82 بالمائة منها رصدت لتغطية أجور الموظفين، هذا الوضع حد من تطور الخدمات العمومية أمام الحاجات الصحية المتزايدة لأبناء الجماهير الشعبية، وليس غريبا أن نجد أغلب المستشفيات العمومية بالمغرب لازالت تستعمل آليات ومعدات طبية تعود إلى فترات قديمة.

وتحت شعارات الرفع من جودة الخدمات الصحية، “الحق في التطبيب الجيد”… الخ، لجأ النظام القائم بالمغرب إلى خوصصة الصحة مما ساهم في تعميق وتفاقم الأوضاع العامة للجماهير الشعبية. بل أكثر من ذلك ففي مشروع القانون الأخير لوزارة الصحة، أعلن عن تحرير القطاع عبر إشراك التجار والرأسماليين في “تنمية القطاع”.

لم يتوقف جشع السماسرة الكمبرادور بالمغرب عند بيع كل ثرواته الطبيعية بل تجاوزه إلى المتاجرة أيضا في حياة أبناء جماهيره الشعبية لتتحول بذلك الصحة من حق إلى سلعة.

وتعتبر المرأة أكبر متضرر من الوضعية الصحية بالمغرب خاصة فيما يخص الصحة الإنجابية. ففي تقرير لمنظمة الصحة العالمية، سجل وفاة امرأة كل ستة ساعات بالمغرب من جراء تبعات الحمل والوضع. وحسب تقرير لوزارة الصحة فإنه تسجل 227 حالة وفاة لكل 100000 ولادة حية. إن هذا الرقم يعد كبيرا جدا بمقارنته مع نفس النسبة لمجموعة من الدول لنجد 6,2 وفاة لكل 100 ألف مولود بفنلندا و 10 وفيات بفرنسا و 70 وفاة بتونس، مما يبين الوضعية الكارثية التي تعيشها المرأة في المغرب.

إن صعوبة ولوج المستشفيات –هذا إن توفرت- نتيجة عدم القدرة على أداء رسوم الدخول، إضافة إلى انتشار الرشوة داخلها يساهم في تأزيم الوضع الصحي للجماهير. ففي جل المستشفيات العمومية يضطر المريض إلى توزيع الرشوة انطلاقا من حراس الأمن بالباب مرورا بالممرضات إلى الطبيب المعالج وإذا أضفنا إلى كل هذا، الارتفاع المهول في ثمن الأدوية، فإن أغلب الأسر المغربية تكتفي بالتداوي بطرق تقليدية أو اللجوء إلى السحر والشعوذة، وفي حالات الولادة فإن أغلبية النساء يلجأن إلى الولادة داخل منازلهن. وحسب وزارة الصحة فإن خمسين بالمائة من الولادات تتم بشكل تقليدي داخل المنازل مما يشكل خطرا كبيرا على حياة الأم والطفل. ومن المعلوم لازالت تسجل في المغرب 40 حالة وفاة من الأطفال لكل 1000 مولود.

1-4- التشريعات:

 إن الوضعية الدونية التي تعاني منها النساء داخل المجتمع المغربي تكرسها القوانين والتشريعات التي تعمق التمايز بين الجنسين وتوطد السلطة البطريركية. ولقد لعبت الحركة الظلامية داخل المجتمع دور المعرقل لكافة المطالب بإصلاح وضع المرأة المغربية مستفيدة من الأفكار الرجعية والعادات والتقاليد والقوانين المتخلفة التي توفرها الإيديولوجية الدينية السائدة.

وقد لعب قانون الأحوال الشخصية الذي يضم القوانين المنظمة لوضع المرأة داخل المجتمع طيلة 47 سنة (1957 -2004 بتعديل طفيف سنة 1993) دورا كبيرا لتكريس السلطة البطريركية ليصدر آخر تعديل له سنة 2004 والذي سيغير اسم القانون إلى مدونة الأسرة، وقد صاحب هذا الأخير ضجة كبيرة حيث اعتبره البعض تغييرا جذريا في وضع المرأة داخل المجتمع، لكن واقع الحال يوضح أن كل تلك التعديلات بالرغم من بعض “ايجابياتها” ما زالت تكرس الوضع الدوني للمرأة. ففي نظر القانون فإن المرأة حتى وإن كان مستواها التعليمي عاليا تعتبر قاصرا ويخول لغيرها –الرجل- التقرير في مصيرها.

فيما يخص الزواج، فإن مدونة الأسرة وإن رفعت سن الزواج من 15 سنة سابقا إلى 18 سنة (المادة 19) فإنها تجيز لقاضي التحقيق أن يأذن بزواج الفتى والفتاة دون 18 سنة بمقرر معلل يبين فيه المصلحة والأسباب المبررة لذلك (المادة 20)، كما أن التعقيدات والشروط التي أحاطت عملية التطليق، تضطر المرأة إلى اللجوء للخلع الذي يجعلها عرضة للابتزاز من طرف الزوج.

وقد أباحت مدونة الأسرة تعدد الزوجات حيث تشير المادة 39 “من موانع الزواج المؤقتة الزيادة في عدد الزوجات على العدد المسموح به شرعا” الذي هو 4 نساء ويكفي لذلك أن يدلي الزوج بما يعتبر مبررا موضوعيا أو استثنائيا، إن تعدد الزوجات يسلب المرأة كرامتها ويجعلها تقبل بأكثر شروط العيش مذلة خوفا من الطلاق الذي لا يقل سوءا نظرا لنظرة المجتمع التحقيرية للمرأة المطلقة.

أما فيما يخص الإرث فإن المدونة لازلت تعتبر المرأة نصف الرجل، فلا يحق للبنت إلا نصف ما يحق للولد، أما الزوجة الأرملة فلا يحق لها سوى ثمن التركة.

إن الوضعية “القانونية ” للمرأة يجعلها تعيش في خوف مستمر، فهي تعتبر إنسانا من الدرجة الثانية بعد الرجل، ويمكن أن تتعرض للعنف من طرف زوجها أو تحرم من أبنائها أو تجد نفسها خارج بيتها دون أن تجد حماية قانونية حقيقية لها، فالتشريعات القانونية بالمغرب تعكس وتكرس النظرة الدونية للمجتمع تجاه المرأة.

المرأة الشعبية في مقدمة النضال والمقاومة

تعيش النساء في المغرب وضعا – قد لا يختلف عن ما تعيشه باقي نساء العالم ،مع تفاوتات ملحوظة، حسب الخصوصيات- يتميز بالحيف، الدونية، الإقصاء والتهميش الاقتصادي والسياسي الناتجين عن اضطهاد مزدوج للمجتمع الذكوري والنظام الرأسمالي، حيث تعتبر المرأة يدا عاملة رخيصة سهلة الاستغلال من أجل مراكمة أكبر للأرباح، كما أنها وسيلة لإعادة إنتاج قوة العمل عبر عملها المنزلي المجاني، إنها آلة لتفريخ الأبناء ووعاء للملذات الجنسية ، أنها الصورة الإعلانية المروجة للسلع، وفي نفس الوقت العورة و مبعث الفتن التي يجب حبسها و تغليفها و تحجيبها و شماعة المعاصي للتيارات الأصولية… باختصار ليست إنسان كامل الآدمية بل مجرد آلة لإرضاء الرجل سواء عن طريق تفريغ نزواته كرب للأسر أو مراكمة لأرباحه و ثرواته كرب للعمل.

 ولعل هذه الشروط التي عانت و تعاني منها نساء مجتمعنا، أصبحت العامل الأساسي و المحرض الأول لهن من أجل التحرر من هذا الاستعباد و الاضطهاد.

فبالرغم من كل الخطابات الليبرالية سواء على المستوى العالمي أو محليا، و التي تعتبر العدو الرئيسي للمرأة هو الرجل بمعزل عن الصراع الطبقي وتختزل حل كل إشكالات النساء في المطالبة بالمساواة في الحقوق الدستورية و كافة التشريعات، فإن المرأة المغربية أدركت أن كل هذه الخطابات ماهي إلا صرخات في واد سحيق صداها لا يسمن ولا يغنى من جوع بل وجسدت تجاوزها لكل هذه الأطروحات ميدانيا عبر مشاركتها في مجموعة من الانتفاضات الشعبية وانخراطها في كل مجالات النضال إلى جانب الرجال بل وكان لها دور المسير والقائد والموجه في حالات عدة.

عاملات وفلاحات:

لقد خاضت العاملات المغربيات مجموعة من المعارك القوية بمختلف المدن المغربية لعل أشهرها كانت بمدن البيضاء، طنجة وأكادير حيث خاضت عاملات شركة صوفاكا لصناعة الأدوية بالبيضاء اعتصاما مفتوحا تجاوز التسعة أشهر وهذا بعد أن سرح صاحب الشركة أزيد من 46 عامل  جلهن من النساء بل هناك من تجاوزت 20 سنة من الأقدمية داخل الشركة، لم يتنازل العمال عن حقوقهم المشروعة في العودة إلى العمل وتسوية وضعيتهم في الضمان الاجتماعي و التعويض عن فترة التسريح.. ظلوا معتصمين وقاموا بوقفات عديدة ومسيرات كبيرة.. تراجع بعض العمال ولم يستطع مواكبة المسيرة النضالية الطويلة بسبب الفقر والأسر التي تتطلب معيل، أما النساء فلقد كنا جد مقتنعات بأن هاته الأسباب –أي الفقر وإعالة الأسرة- هي الدافع من أجل الاستمرار في النضال وعدم التراجع والتنازل عن حقوقهن، نفس القناعات كانت وراء صمود عاملات شركة لاكليمونتين لإنتاج وتصدير الورود بالجديدة حيث خاضت العاملات والعمال إلى جانب مكتبهم النقابي إضرابا عن العمل مصحوبا باعتصام ليل- نهار أمام الضيعات التابعة للشركة من أجل المطالب النقابية للعمال، وقد كانت العاملات بالشركة أكثر العمال صمودا ومواظبة على الاعتصامات وكل الأشكال الاحتجاجية بنسب تصل إلى 95 بالمائة من مجموع النساء العاملات بالشركة.

تنضاف إليهن عاملات شركة بوغارت للنسيج المتواجدة بالحي الصناعي مولاي رشيد بالبيضاء واللاتي قمن باعتصام بطولي أمام مقر الشركة احتجاجا على التضييق الذي يطال العاملات المنقبات و على الظروف المزرية للعمل و تسريح مجموعة من العاملات.

وقد كان حضور الفلاحات والعاملات الزراعيات بمختلف ضيعات وحقول المعمرين الجدد بالمغرب (كبار الملاكين العقاريين الرأسماليين) جد وازن بل أنهن قدنا معارك كبيرة كما وقع في العرائش حيث وصلت المعركة الى القمع و المواجهة المباشرة مع النظام ضدا على انتزاع أراضي الفلاحين والفلاحات بالمنطقة، بنفس القوة قادت بها مجموعة من الفلاحات الزراعيات معاركهن ضد الاستغلال والعبودية بضيعات مكناس وشتوكا أيت باها.

… ورغم هذا الزخم النضالي الكبير والذي لا يسمح تقرير موجز كهذا برصد واستيعاب كل تفاصيله المنتشرة عبر ربوع الوطن، فإن ضعف العمل النقابي بل وانعدامه في مدن ومناطق عديدة حيث نجد أن نسبة العاملات المنخرطات نقابيا لا تتجاوز 14 بالمائة من مجموع العاملات، يميز النضالات العمالية والفلاحية بطابع التشتت والعشوائية.

معطلات وطالبات:

تشكل نسبة المعطلات المناضلات سواء داخل الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب أو المجموعات – الأطر العليا- ما يعادل 40 بالمائة من مجموع المناضلين ضد البطالة. وقد أبن عن طاقات نضالية كبيرة تمثلت أساسا في طول النفس في المعارك والصمود وقتالية عالية في مواجهة قوى القمع ومجابهة السياسات الطبقية التي ينهجها النظام في مجال التشغيل، بل وكن السباقات للمساهمة في تأسيس عدد من فروع الجمعية الوطنية في عدة مناطق وشاركن إلى جانب المعطلين في قيادة معارك كبيرة سواء على المستوى المحلي أو الوطني حيث خضن إضرابات بطولية عن الطعام – تارودانت ، بني ملال، الرباط، بولمان….- وشاركن في تنظيم مسيرات احتجاجية عارمة، فلم يتمكن الاعتقال ولا القمع الشبه اليومي (والذي سجل إصابات وعاهات مختلفة لمجموعة من المعطلات وحالات لا تحصى من الإجهاض كان آخرها بالحسيمة وبني ملال ) الذي يتعرضن له الى جانب رفاقهن من زعزعة ايمانهن بعدالة مطالبهن، كما أنهن قدمنا شهيدة للشعب المغربي هي المناضلة نجية أدايا التي استرخصت حياتها من أجل الحق في التشغيل والعيش الكريم لمعطلات ومعطلي المغرب ومن أجل الحق في التنظيم والاعتراف القانوني للجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب.

نفس الزخم والقوة النضاليين عاشته مناضلات الحركة الطلابية ولو بدرجات متباينة حسب المواقع الجامعية، فضدا على سياسات النظام الهادفة إلى ضرب التعليم و خوصصته برزت عبر تاريخ الحركة الطلابية مجموعة من المناضلات استرخصن دماءهن من أجل حقهن في التعليم المجاني ليتجاوزن ذلك إلى التضامن مع كافة قضايا الشعب المغربي وقضايا التحرر الأممي فكانت الشهيدة زبيدة خليفة التي اغتيلت رميا بالرصاص يوم 20 يونيو أثناء تأطيرها إلى جانب رفاقها بالنقابة الطلابية: الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لتظاهرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني.

وقد ساهمت الأشكال النضالية التي خاضتها الحركة الطلابية في السنوات الأخيرة ضد الميثاق الوطني للتربية والتكوين في إبراز مناضلات كبيرات استطعن تأطير مجموعة من المعارك في عدة مواقع وكانت من أبرزهن زهور بوذكور، المناضلة الشيوعية التي ساهمت في تأطير معارك عدة بجامعة القاضي عياض بمراكش (معركة  24 أبريل وانتفاضة 14 ماي 2008) حيث اعتقلت لتذوق كل أصناف التعذيب النفسي والجسدي والذي لن تتوانى في فضحه من خلال شهادات التعذيب التي أصدرتها ورفاقها السبعة عشر، لتدان  بسنتين سجنا نافذة قضتها بسجن بولمهارز بمراكش والسجن المدني ببنجرير لتستعيد حريتها يوم 15 ماي 2010 عائدة إلى الجامعة مرة أخرى لمتابعة دراستها ومواصلة نضالها جاعلة من المناضلة الشيوعية الشهيدة سعيدة المنبهي -التي استشهدت اثر إضراب بطولي عن الطعام بالمعتقل في السبعينات- القدوة والمثال.

نفس الموقع الجامعي، مراكش أعطى عددا هائلا من المناضلات على شاكلة زهور، منهم المعتقلة السابقة مريم باحمو التي اعتقلت بعد مسيرة تضامنية مع الشعب الفلسطيني لتحاكم بستة أشهر نافذة و اعتقلت للمرة الثانية لتحاكم بثلاثة أشهر قضتها رفقة رفيقتها زهور بوذكور بسجن بولمهارز بمراكش.

وها نحن اليوم نرى طغيان النظام الرجعي وحقيقته الهمجية وهو يقتل ويقمع ويعتقل أبناء وبنات الشعب المغربي المناضلات، فبنفس السجن السيء الذكر”بولمهارز” نجد خلف القضبان مناضلات شامخات يعرين حقيقة العهد الجديد و أكذوبة “الاستثناء المغربي” : الرفيقة إلهام الحسوني التي تم اختطافها بمدينة الصويرة من منزل عائلتها بعد أن فعلت في حقها متابعة في نفس ملف أصغر معتقلة سياسية بالمغرب زهور بوذكور منذ سنة 2008 حيث لم تحاكم بعد رغم قضائها ما يقارب السنة بسجن بولمهارز، تعرضت فيها الى شتى أنواع التعذيب و الترهيب النفسي و الجسدي و الترحيل القسري مرتين بين سجن مراكش و الصويرة، و كل من الرفيقات فاطمة الزهراء فايز(مناضلة سابقة في أوطم و حاليا في الجمعية الوطنية) و لبنى أفرياط  و صفاء عصام اللواتي تم اعتقالهن على خلفية الغليان الشعبي الذي فجرته حركة 20 فبراير، الحركة التي أبرزت نساء مناضلات يتحدين القمع و الاضطهاد، نجدهن في مقدمة النضالات يصرخن في وجه القمع و الاضطهاد و الحط من الكرامة بل و أبين إلا أن يقدمنا في إطار هذه الحركة شهيدة استرخصت دمها احتجاجا على الإقصاء الاجتماعي و هي الشهيدة فدوى العروي بمدينة سوق السبت. لقد أكدت حركة 20 فبراير أهمية انخراط النساء في النضال الشعبي و دورهن المركزي في الدعاية و التحريض و التعبئة … الخ و في كل مستويات العمل النضالي، لقد برزت مناضلات ديمقراطيات استطعن لعب دور ريادي في قيادة و تطوير هذه الحركة الفتية.

 بالاضافة الى كل ذلك نجد مجموعة من المتابعات في حق عدد كبير من المناضلات الإوطاميات بمجموعة من المواقع من مراكش، وجدة، … و أكادير مثلا حيث توبعت مناضلتان أوطاميتان –زهيرة و السعدية- في حالة سراح بعد معركة لمقاطعة الامتحانات النهائية لتتم تبرئتهن بعد أن نكل بهن و دقن أصناف من التعذيب.. لتنضاف الى هذا الركب المناضلة الأوطامية سعاد الهوتي التي اعتقلت خلال نفس المعركة لتدان بثلاثة أشهر نافذة قضتها في سجن انزكان لتعود بعدها لمتابعة النضال رفقة مناضلي أوطم بأكادير.. لكن رغم هذه السنين من السجن و رغم القمع و التعذيب و الترهيب فلا زالت الحركة الطلابية و ستبقى تنجب مناضلات قويات، و قياديات يحملن هموم الشعب المغربي عامة و الجماهير الطلابية بشكل خاص.

 عائلات المعتقلين والشهداء:

لقد شكلت عائلات المعتقلين و الشهداء منذ السبعينات الى يومنا هذا ، حركة مناضلة مناهضة للاعتقال ومطالبة باطلاق سراح المعتقلين وفاضحة لكل ما يتعرض له أبناءها من قمع وتعذيب داخل المعتقلات، و قد تميزت هذه الحركة بالعدد الكبير من النساء المؤسسات لها حيث كانت تتشكل من أمهات المعتقلين بالدرجة الأولى ثم زوجاتهم وشقيقاتهم بالدرجة الثانية، و لعل أكبر مثال للإشادة هنا هي أم الشهيد عبد الحق شباظة، الأم الرمز التي احتضنت حتى بعد استشهاد ابنها عبد الحق، رفاقه لسنوات طويلة لتتحول الى أم كل الشهداء و المناضلين، كما كانت أم الشهيدة سعيدة المنبهي و الشهيد مولاي بوبكر الدريدي مثال للأمهات المناضلات من أجل إطلاق سراح أبناءهن. وكما في مرحلة السبعينات والثمانينات، فقد أعيد احياء حركة العائلات مع اعتقال مجموعة زهور بوذكور سنة 2008 حيث خاضت عائلات المعتقلين التي تتكون غالبيتها من النساء ( شقيقات زهور بوذكور، أختي الشويني،أخت و أم الدربالي،أخت القطبي،أم السالمي….) معارك ضارية من أجل إطلاق سراح أبنائهم و التعريف بقضيتهم ،فخضن إضرابات عن الطعام تضامنية مع أبنائهن و قمن بوقفات احتجاجية أمام البرلمان و المجلس الاستشاري لحقوق الانسان و المندوبية السامية للسجون ووزارة العدل، بالاضافة الى معارك شبه يومية أمام السجون لانتزاع الزيارات المفتوحة لأبنائهن..بنفس القناعات بعدالة قضية أبنائهن ظهرت حركة عائلات معتقلي سيدي افني حيث كان لزوجتي المعتقل بارا و المعتقل أغربي بالاضافة الى ابنتي هذا الأخير و أمهات بعض المعتقلين الفضل في نشر و التعريف بهاته المجموعة، و لم تخرج مجموعة العصفوري بفاس عن هذا السياق حيث كانت زوجة هذا الأخير (المعتقل عصفوري) الى جانب بعض الأمهات المحرك الأساسي لهاته الحركة، نفس الدعم العائلي تلقاه عمال السميسي ريجي بخريبكة سواء قبل أو بعد اعتقال 13 مناضلا من أجل إرجاع العمال 580 المطرودين من طرف مجموعة  المكتب الشريف للفوسفاط فنجد الحضور القوي والوازن لعائلات العمال ال580 في كل المعارك التي خاضوها من مسيرات ووقفات متكررة ومهرجانات خطابية و كل الأنشطة.

مناهضة الغلاء والحركات الاحتجاجية:

إن كانت جل المجالات التي أشرنا لها سابقا توضح الدور الريادي للنساء في ساحة النضال، فإن ملف الغلاء يعتبر ملفا نسائيا بامتياز  سواء من حيث العدد الكبير للنساء المنخرطات في النضال على هذه الواجهة ولا بتأثير الغلاء على القسم الأكبر من المجتمع المغربي والذي جله نساء يعملن أعمال  غير مؤدى عنها بالمنزل حيث نتائج الغلاء تكون ملموسة.

فحتى قبل  تأسيس التنسيقيات كان للنساء الشعبيات الدور الريادي في الاحتجاج على كافة مظاهر الغلاء وتدهور الخدمات العمومية. وبالرغم من عفوية وتشتت هذه الاحتجاجات جغرافيا وزمنيا إلا أن صداها كان كبيرا سواء في العلاقة مع النظام أو في تصدير الاحتجاجات إلى مجموعة من المناطق بالإضافة إلى رفع وعي وتطوير مستوى النساء المشاركات فيها.. بل و لن نبالغ إذا اعتبرنا المؤسس الفعلي لتنسيقيات الغلاء هن النساء اللاتي خرجن ما بين 2005 و 2006 للاحتجاج على رداءة و تدهور الخدمات العمومية من تطبيب وتعليم، والارتفاع الصاروخي في المواد الاستهلاكية خصوصا الأساسية منها وعلى فواتير الماء والكهرباء اللامعقولة … فكانت مدينة واد زم الخطوة الأولى لتأسيس تنسيقيات شعبية مناضلة ، هدفها مناهضة الغلاء وتدهور الخدمات العمومية ودعامتها الأساسية نساء ورجال يؤمنون بحقهم في العيش الكريم الى جانب مجموعة كبيرة من المناضلين اليساريين، والى حدود اليوم ما يزال عدد النساء المشاركات في أنشطة التنسيقيات وتسييرها كبيرا ليتجاوز عدد الرجال بكثير.

و كما كان الشأن بالنسبة للعاملات و الفلاحات و الطالبات و المعطلات (اللاتي كن جزءا لا يتجزء من مناضلات التنسيقيات) فقد كان القمع و المنع و التهديد و التعنيف الجسدي و اللفظي ،بل و الإعتقال و المحاكمة -كما هو شأن مناضلات صفرو- هو ما تجده نساء التنسيقيات المناضلات أمامهن في كل خطوة أو نشاط تدعوا له التنسيقية، لكن و بفضل صمودهن و قتاليتهن استطعن أن يفرضن (الى جانب مناضلي التنسيقية) على النظام التراجع في مراحل كثيرة، بل و انجاح محطات كبيرة من قبيل المسيرات الثلاث الوطنية، مساهمات بذلك في بناء مقاومة شعبية مكافحة ضد كل سياسات النظام.

   نفس القوة  في الحضور و المساهمة بل وفي المبادرة نجدها عند حديثنا عن أي حركة احتجاجية للجماهير الشعبية، فبدءا من انتفاضة صفرو  إلى سيدي افني، مرورا بأيت أورير، مراكش، تلسينت، بوعرفة، أوريكا، و كل مناطق المغرب وصولا الى إكلي .. المحطة الأخيرة التي سجلت خلالها نساء إقليم بولمان اسمهن في ذاكرة التاريخ المناضل، عبر صمودهن اللامحدود حيث قمن باعتصام لأزيد من 100 يوم قبل أن يتدخل القمع في حقهن و عائلاتهن.. لا لشيئ إلا لأنهن رفضن التخلي عن أراضيهن، الأراضي السلالية التي يعشن فيها و منها منذ عشرات السنين، حيث ثم الاستلاء عليها من طرف مافيا العقار بالمنطقة بمباركة أجهزة الدولة من عمالة و درك وقضاء.

كما شكلت النساء الأغلبية المطلقة من المناضلين في ملف السكن، حيث اعتبرت الحركة التي انبثقت أساسا في الدار البيضاء لتمتد الى المحمدية و عدد كبير من المدن المجاورة، بعد قرارات الهدم و الافراغ التي أصدرها النظام بالجملة في حق الأحياء الصفيحية أو ما يسمى بالسكن الغير اللائق و بيع و مصادرة مجموعة من الأراضي لتفوت لعدد من المستثمرين الاجانب منهم الخليجيين بالدرجة الأولى، هذه الحركة التي أعطت بدورها شهيدة تنضاف الى سجل شهداء الشعب المغربي، المناضلة عزيزة برحو و هي المناضلة الدينامية التي عرفتها ساحات البيضاء بل و المحمدية بتأطير و تسيير عدد كبير من الوقفات الاحتجاجية و المسيرات التي نظمتها اللجنة بالمدينتين.

  انبثاق الحركة النسائية البرجوازية:

لقد كان لولوج المرأة لسوق الشغل و التحاقها بالتعليم دور أساسي في بروز “مسألة النساء” كإحدى القضايا التي أصبحت تشغل الرأي العام بالمجتمع المغربي و قد أدى ذلك إلى بروز حركة نسائية برجوازية لا يتعدى سقف مطالبها المساواة مع الرجل في الحقوق التي يجب أن يكفلها القانون بمعزل عن الشروط المادية التي خلقت الاضطهاد.

يمتد تاريخ المسألة “النسائية بالمغرب” إلى البدايات الأولى للاستقلال الشكلي (أو قبل ذلك بقليل ). إلا أن الظهور البارز للحركة النسائية لم يكن إلا في سنوات الثمانينات و بالأخص في التسعينات بعدما فرض نضال العديد من النساء “قضية المرأة ” في قلب اهتمام المجتمع. فالأحزاب الإصلاحية لم تكن تنظر إلى “مسألة المرأة” إلا كشأن ثانوي محكوم بالحسابات السياسية الضيقة و حتى بعدما حاولت هذه الأحزاب الاهتمام “بمسألة النساء” نتيجة الضغط الذي مارسته بعض جمعيات و مناضلات هذه الأحزاب فلم يكن هاجسها سوى صناديق الانتخابات, و ضمان أكبر عدد من أصوات النساء.

و قد لعبت الحركة الماركسية اللينينية المغربية سنوات السبعينات دورا كبيرا في إعادة الاعتبار “لقضية المرأة” خصوصا من داخل الجامعة المغربية التي كانت قلعة يسارية بامتياز, حيث وضعت “مسألة النساء في قلب اهتماماتها الفكرية و السياسية اليومية, و خاضت نضالا فكريا واسعا للتعريف بقضية النساء و سبل تحررهن و قد برزت في خضم ذلك العمل العديد من المناضلات المتشبعات بالفكر الشيوعي خضن إلى جانب رفاقهن نضالا قاسيا من أجل بناء الحزب الثوري المغربي,مثل الشهيدة سعيدة المنبهي  (24 سنة) التي كانت عضوة في منظمة إلى الأمام و مناضلة في صفوف نقابة الإتحاد المغربي للشغل.

إن ذلك العمل الذي قامت به الحملم داخل الجامعة المغربية قد ترك آثارا كبيرا في وعي أجيال عدة من الطالبات اللواتي ساهمن على قدر واسع في طرح “مسألة النساء” سواء من داخل الأحزاب الإصلاحية أو من خلال تأسيس العديد من الجمعيات النسائية التي تعنى بمسألة النساء.

لكن نهاية السبعينات سوف تشهد على ردة يمينية وسط المنظمات الثورية التي كانت تتبنى الماركسية اللينينية فكر ماو تسي تونغ و تناضل من أجل بناء حزب الطبقة العاملة. فمنظمة 23 مارس سوف تتحول بعد سيطرة الجناح اليميني داخلها إلى حزب برجوازي انتهازي دخل الشرعية البرجوازية, و منظمة إلى الأمام سوف تتراجع على جل أطروحاتها الثورية السابقة لتتحول إلى منظمة معزولة عن الجماهير.

إن هذا الواقع الذي عرفته التنظيمات الثورية ببلادنا سوف يدفع بجل المناضلات اللواتي كن يحملن وعيا ثوريا و يحملن “قضية النساء” إلى الابتعاد عن العمل السياسي الحزبي و يؤسسن العديد من الجمعيات النسائية أو يصدرن العديد من المجلات و الجرائد النسائية التي تعنى بقضية النساء, مثل جريدة 8 مارس أو غيرها. وبعضهن الآخر انتقل إلى العمل داخل الأحزاب الإصلاحية, و ساهمن بشكل كبير في طرح “مسألة النساء” وسط هذه الأحزاب. لكن بمضمون برجوازي حصر قضية النساء كلها كقضية قوانين و حقوق مدنية مساوية لحقوق الرجال, وقد شكل ذلك نقطة انعطاف حقيقية في تبلور و تطور الحركة النسائية البرجوازية بالمغرب.

و بالرغم من أن الفئة العريضة من نساء المغرب ينتمين إلى الطبقات الكادحة (عاملات, فلاحات, ربات بيوت….) و بالرغم من المشاركة النشيطة للنساء الكادحات في النضالات الجماهيرية التي يخوضها الشعب المغربي، فإن الأزمة التي تعاني منها الحركة الشيوعية ببلادنا و غياب حزب الطبقة العاملة قد شكل الحاجز الأساسي أمام تطور حركة نسائية شعبية مكافحة تعطي لقضية النساء مضمونها الطبقي و توجهها نحو القضاء على الشروط المادية التي خلقت اضطهاد النساء.

 إن إحدى واجباتنا المباشرة اليوم هي تكتيف النضال للمساهمة في تطوير حركة نسائية شعبية مكافحة، و العناية بالنساء الشعبيات عبر تاطيرهن و تنظيمهن من اجل الدفاع عن مطالبهن الخاصة بوصفهن نساء و مطالبهن العامة بوصفهن عاملات وفلاحات و طالبات و معطلات و بكلمة بوصفهن بنات الشعب المغربي, إن ذلك يحتاج من التقدميات و التقدميين طرح قضية المرأة في جميع المجالات و الحركات و الدفاع عنها، ليس من الناحية الفكرية و فقط بل من الناحية السياسية و التنظيمية،  ” إن النساء يحملن على أكتافهن نصف السماء ويجب أن ينتزعنها”

” لا تتمتع المرأة بالمساواة الكاملة فى الحقوق فى أي جمهورية بورجوازية ( أي حيث تقوم الملكية الخاصة للأرض و المعامل و المناجم و الأسهم إلخ) حتى و لو كانت أوفر الجمهوريات ديمقراطية ، …إن الديمقراطية البرجوازية تعد قولا بالمساواة و الحرية . أما فعلا فإن أية جمهورية من الجمهوريات البورجوازية ، حتى أكثرها تقدما ، لم تمنح النصف النسوي من الجنس البشري المساواة الكاملة مع الرجل أمام القانون ، كما لم تعتقها من وصاية الرجل و إضطهاده . إن الديمقراطية البورجوازية هي ديمقراطية الجمل الرنانة و الوعود الطنانة و الشعارات المفخمة عن الحرية و المساواة ، و لكنها تخفى فى الواقع عبودية المرأة و لامساواتها ، عبودية الشغيلة و المستغَلين و لامساواتهم “لينين

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: